ابراهيم بن عمر البقاعي

28

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما تشوف المسلم إلى إهلاك من هذا شأنه وإلى العلم بمدة ذلك ، وكان من طبع الإنسان العجلة ، أجاب من يستعجل بقوله عائدا إلى مظهر العظمة التي يتقاضاها إذلال العدو وإعزاز الولي : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا أي من الزمان ومن الحظوظ وإن جل ذلك عند من لا علم له ، فلا تشغلوا أنفسكم بالاستعجال عليهم فإن كل آت قريب . ولما كان إلجاء المتجبرين إلى العذاب أمرا مستبعدا ، أشار بأداة البعد إلى ما يحصل عنده من صفات الجلال ، التي تذل الرجال ، وتدك الجبال ، وفيه أيضا إشارة إلى استطالة المحسنين من تمتيعهم وإن كان قليلا في الواقع ، أو عند اللّه فقال : ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ أي نأخذهم أخذا لا يقدرون على الانفكاك عنه بنوع حيلة ، وأشار إلى طول إذلالهم في مدة السوق بحرف الغاية ، فكان المعنى : فنصيّرهم بذلك الأخذ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ * أي شديد ثقيل ، لا ينقطع عنهم أصلا ولا يجدون لهم منه مخلصا من جهة من جهاته ، فكأنه في شدته وثقله جرم غليظ جدا إذا برك على شيء لا يقدر على الخلاص منه . ولما كان من أعجب العجب مجادلتهم مع إقرارهم بما يلزمهم به قطعا التسليم في أنه الواحد لا شريك له وأن له جميع صفات الكمال فله الحمد كله ، قال : وَلَئِنْ أي يجادلون أو يقولون : بل نتبع آباءنا والحال أنهم إن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ بأسرها وَالْأَرْضَ وجميع ما فيها لَيَقُولُنَّ ولما كان الأنسب للحكمة التي هي مطلع السورة الاقتصار على محل الحاجة ، لم يزد هنا على المسند إليه بخلاف الزخرف التي مبناها الإبانة ، فقال لافتا القول عن العظمة إلى أعظم منها فقال : اللَّهُ أي « المسمى بهذا الاسم الذي جمع مسماه بين الجلال والإكرام » ، فقد أقروا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته . ولما كانوا يعتقدون أن شركاءهم تفعل لهم بعض الأفعال ، فلذلك كانوا يرجونهم ويخافونهم ، كما أن ذلك واضح في قصة عم أنس الصم وغيرها ، أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يعلمهم أنه لا خلق لغيره ولا أمر ، بل هو مبدع كل شيء في السماوات والأرض كما أبدعهما ، وأن من جملة ذلك مما يستحق به الحمد سبحانه قهرهم على تصديقه صلّى اللّه عليه وسلّم بمثل هذا الإقرار وهم في غاية التكذيب ، فقال مستأنفا : قُلِ الْحَمْدُ أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال لِلَّهِ أي الذي له الإحاطة الشاملة الكاملة من غير تقييد بخلق الخافقين ولا غيره « الأمر أعظم من مقالة قائل » كما أحاط بما تعلمونه من خلق السماوات